الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
45
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" الخردل " : نبات له حبات سوداء صغيرة جدا يضرب المثل بصغرها ، وهذا التعبير إشارة إلى أن أعمال الخير والشر مهما كانت صغيرة لا قيمة لها ، ومهما كانت خفية كخردلة في بطن صخرة في أعماق الأرض ، أو في زاوية من السماء ، فإن الله اللطيف الخبير المطلع على كل الموجودات ، صغيرها وكبيرها في جميع أنحاء العالم ، سيحضرها للحساب والعقاب والثواب ، ولا يضيع شئ في هذا الحساب . والضمير في " إنها " يعود إلى الحسنات والسيئات ، والإحسان والإساءة ( 1 ) . إن الالتفات والتوجه إلى هذا الاطلاع التام من قبل الخالق سبحانه على أعمال الإنسان وعلمه بها ، وبقاء كل الحسنات والسيئات محفوظة في كتاب علم الله ، وعدم ضياع وتلف شئ في عالم الوجود هذا ، هو أساس كل الإصلاحات الفردية والاجتماعية ، وهو قوة وطاقة محركة نحو الخيرات ، وسد منيع من الشرور والسيئات . وذكر السماوات والأرض بعد بيان الصخرة ، هو في الواقع من قبيل ذكر العام بعد الخاص . وفي حديث روي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : " اتقوا المحقرات من الذنوب ، فإن لها طالبا ، يقول أحدكم : أذنب وأستغفر ، إن الله عز وجل يقول : سنكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين . وقال عز وجل : إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ( 2 ) . وبعد تحكيم أسس المبدأ والمعاد ، والتي هي أساس كل الاعتقادات الدينية ، تطرق لقمان إلى أهم الأعمال ، أي مسألة الصلاة ، فقال : يا بني أقم الصلاة لأن الصلاة أهم علاقة وارتباط مع الخالق ، والصلاة تنور قلبك ، وتصفي روحك ، وتضئ حياتك ، وتطهر روحك من آثار الذنب ، وتقذف نور الإيمان في أنحاء
--> 1 - احتمل البعض أن الضمير أعلاه ضمير الشأن والقصة ، أو يعود إلى مفهوم الشرك ، وكلا الاحتمالين بعيد . 2 - نور الثقلين ، الجزء 4 ، صفحة 204 .